الجوهري
12
الصحاح
ثم إنك لتجد في نثر العباقرة من كتاب العربية ، كالجاحظ ، وأبي حيان ، وغيرهما عناية بالأسلوب ، دون أن يكون قصد منهم أن يفيدوا من السجع ، فقد عزفوا عن ذلك لأنهم شعروا أن جمهرة أهل الكتابة قد أغرقوا في استعمال هذا اللون حتى استهلكوه ، فكانت السجعة هدفا لهم على حساب المعنى ، ثم إنهم توسعوا فيه ، فكان منه السجع المعروف ، والسجع المرصع ، وغير ذلك . وقد يضيق القارئ ذرعا ، وهو يقرأ طائفة من المقامات الحريرية أو خطب ابن نباتة ، وذلك لغلوهما في استعمال هذا الضرب من فن الكتابة . ولقد أدى غلو أهل هذه القرون المتأخرة ، باستعمال السجع في الكتابة ، والتزام من خلفهم به إلى مطلع عصرنا هذا ، إلى أن يتجنبه المتأدبون في عصرنا . لقد وجد أدباؤنا أن موضوعات الأدب في هذا العصر غيرها في عصور سلفت ، وأن للحضارة المعاصرة مواد كثيرة ينبغي للأديب أن تكون له أدوات جديدة للأعراب عنها ، وعلى هذا لا يكون للأسلوب الملتزم بالسجع مكان في هذا الأدب الجديد . ثم جاء شعراؤنا الجدد وجلهم شباب متطلع للجديد ، مأخوذ بما في الحضارة المعاصرة من فكر جديد مفيد ، ولكنه لم يتزود بالزاد الكافي من هذه الألوان الجديدة ، وكلها غريب وافد إلينا ، قد نحس فينا حاجة إلى هذا الجديد ، وقد نحس أن ليس لنا غنى عن الاخذ بالألوان الأدبية في مغرب الدنيا ومشرقها ، ولكننا في الوقت نفسه لم نهتد إلى معرفة ما نملك من إرث سخي قديم ، وما أظن أن الاخذ بالوافد الجديد يفرض علينا أن نقطع صلتنا بأصول عزت أرومة وطابت مغرسا . ولعل إخواننا هؤلاء قد فاتهم أن يعرفوا أن للحضارة مسيرة ، وأن الجديد النافع لا بد له أن يقوم على قديم مفيد . ذهب الشعراء الشبان إلى أن الشعر ، بأوزانه المعروفة . وقوافيه شئ عتيق لا بد أن يصار منه إلى نماذج جديدة - يرى هؤلاء أن الوعاء القديم لا يتسع للفكر الجديد ، ولكنك تتلمس أوعيتهم الجديدة فلا تستطيع أن تلمس شيئا من جدة الفكر ، ونصاعته ، فأين الموضوع ؟ أن كثيرا من هذه النماذج التي لا يريد أصحابها أن تسمى قصائد غامض مبهم ، غير أن هذا الغموض وذاك الابهام لا يترشح منه شئ مما يقال عنه إنه فكر جديد . وقد شاء أصحابنا من الشبان المتأدبين أن يدعوا شعرهم ب " الحر " وأن ما كان موزونا مقفى ب " العمودي " وأنهم أساءوا فهم " العمود الشعري " فصار عندهم الالتزام بالوزن والقافية ، ولم يكن " عمود الشعر " عند النقاد الأقدمين شيئا من هذا ، ولو أنهم رجعوا إلى ما كتبه المرزوقي في الموضوع لاهتدوا إلى ذلك ، وإلى ما كتبه ابن طباطبا العلوي في " عيار الشعر " . كأنهم شعروا أن التزام الوزن والقافية الواحدة عقبة تحول دون إدراك ما يبتغون من صيرورة أدبهم الجديد مادة جديدة في موضوعها ، ولم يتأت لهم هذا ، وأنى لهم ، والبضاعة